إدريا
بعد صعودنا بمدة إلي الأعلي بدت إدريا صغيرةً حقا فلا تظهر بين الجبال إلا كوادي فيه نقاط حمراء متناثرة، و من الناحية الأخري إلي الأفق تظهر جبال الألب الجوليانية بقممها العالية ووديانها السحيقة، كست الأشجار كل هذا فلا تري غير لونها الأخضر وظلالها، ثم تحتها انتشرت الزهور البرية في كل موضع، كانت السماء صافية إلا من القليل من الغيوم التي تبقت من العاصفة التي مرت قبل ذلك صباحًا فسمحت للشمس بالسطوع، وسكنت الطيور هذه الجنة و أمِنتها فصدحت تغني علي كل غصن وأعلي كل شجرة بكل لون ولون من الزقزقات حتي جعلت الغابة كلها تطرب لذلك.
الطريق للأعلى ليس سهلا كما تصورت أولا، لكن يلزمه الكثير من التركيز و المناورة وبسبب ذلك دائما كنت أحبذ التوقف لبرهة لإدراك ما حولي من مناظر خلابة شغلني عنها الطريق، فلولا هذه البرهة لفوتُ الغناءَ البديع حين غطي عليه صوت خطواتي وأنفاسي، أو لفاتني رؤية كل مرةٍ تخللت فيها أشعة الشمس خلال الأغصان و الأوراق، أو لم أسمع خرير الماء لجدول تقاطع مع مسارنا، وقد راقني أن كل برهة تختلف عن الأخري فتضيف بعدًا جديدًا من الجمال، لحظةُ راحة تتدافع فيها النسيمات إليك حاملة رائحة الغابة المعقدة و المركبة.
أما الجبل فهو عالم مستتر تمامًا لا تعلم عنه شيء من بعيد، فاستكشافه يلزمك الولوج فيه، والصعود إليه.. خلاب وشامخ من الأسفل بالفعل، لكن المتعة الأكبر هي رؤيته عن قرب ورؤية تفاصيله المعقدة، عندها لا تأبه بما بُذل من كدٍ وعناءٍ، فلا تجد من ندم علي تعبه بعد المضي فيه.
كثيرًا ما تساءلتُ عن ما اخترته وجازفتُ فيه، فيساورني حينها بعض الندم ويثقلني التفكير، هل ما فعلته هو الصواب؟ بعد كل مشقة أو ضغط أعيد فأسأل لقد كنت بالفعل في استقرار ! ثم أتوقف للحظة لعل الإدراك يحفني فتذكرني التفاصيل بجمال ما حولي، وتمنحني راحة وجيزة أتذكر بها الهدف والطموح.
قد خفت الضوء مع نزولنا حتي أصبحنا نري مواضع الأقدام بعد لأي، كنا نتسابق و أشعة الشمس واحدة تختفي بعد آخري، وقد اقتربنا كثيرًا إلي الوصول، بدأت أضواء المدنية الصغيرة بعدها في الظهور حتي وصلنا إلي الفندق الذي أقيم مباشرة أعلي منجم زئبق إدريا الشهير، عالمٌ أخر تحت الأرض خمسة عشر مستوى حفرت علي مدار قرون.. أغمضت عينيَّ في هدوء غرفتي متيقنًا أن هذا المنجم حقيقة بفضل صعود الجبال ولحظات التأمل و التدقيق.



.jpg)

Comments
Post a Comment