لماذا أنسى دائمًا لون عينيك؟
لماذا أنسى دائما لون عينيك؟ وهل هناك أوسع من كونٍ أدهم عميق يتوه فيه النظر ولا تبِين فيه حتى النجوم فتبدو كنقاط متوهجة متناثرة لا تنير إضاءتها هذا السواد فتتلاشى في وسعه كما يتلاشى السكر في الماء، وحول هذا الكون حلقة نقية لونها جميل كلما طال النظر إليها طالبًا للمعرفة و الإجابات، تاه هو بين كونها وحلقتها فما علم غير أن النظر إليهما يسلبُ العقل ذاكرته، فيبقيه هائمًا منتشيا كمن مسه السحر، فحتي إن قاوم النظر نظر بعيدًا، فنسي بذلك ظلمتها و لونها وتذكّر جمالها متفردًا، فاشتاق لجمالها مركبًا غير ناقصٍ فعاد ينظر وينظر.
سأل نفسه ما الذي يُنسيهِ لونها.. فتفقد نفسه فوجدها قد اضطربت وفقدت تريثها، وقد طارت روحه هي الأخرى فلا تستقر أو تستكين، كذلك لم تبقَ جوارحه كحالها، فكيف لعقله أن يتذكر وكل خلجاته قد تمردت، شدَّ العربيُّ في هذه الجنان وتر قوسه واستقبل مبتغاه وصيده، وبينما تتحرك هي بخفة بين الشجيرات والأوراق، فتختفي وتظهر بين النور والظلال إلى أن أظهرت مُحياها فرمقته المها بسهم عينها فغدا الصيد صيادًا، وبات الفارس فريسة.
مَغاني الشَعبِ طيباً في المَغاني *** بِمَنزِلَةِ الرَبيعِ مِنَ الزَمانِ
وَلَكِنَّ الفَتى العَرَبِيَّ فيها *** غَريبُ الوَجهِ وَاليَدِ وَاللِسانِ
غَدَونا تَنفُضُ الأَغصانُ فيها *** عَلى أَعرافِها مِثلَ الجُمانِ
فَسِرتُ وَقَد حَجَبنَ الشَمسَ عَنّي *** وَجَبنَ مِنَ الضِياءِ بِما كَفاني
لَها ثَمَرٌ تُشيرُ إِلَيكَ مِنهُ *** بِأَشرِبَةٍ وَقَفنَ بِلا أَواني
وَأَمواهٌ تَصِلُّ بِها حَصاها *** صَليلَ الحَليِ في أَيدي الغَواني
فَلَو طُرِحَت قُلوبُ العِشقِ فيها *** لَما خافَت مِنَ الحَدَقِ الحِسانِ
وَكُنتِ الشَمسَ تَبهَرُ كُلَّ عَينٍ *** فَكَيفَ وَقَد بَدَت مَعَها اِثنَتانِ
فَعاشا عيشَةَ القَمَرَينِ يُحيا *** بِضَوئهِما وَلا يَتَحاسَدانِ
أجل، تمردت خلجاته عليه، فلا إدراكَ به قائم ولا وعي بداخله مقيم، غريبٌ هو فى هذا الشعِب ضاق عليه عيشه حتى وجدها وعينيها وكأنما في وسعها غابة كثيفة، وقد أعجبته فولجَها فسجي الليل عليه، فدار فيه وسار سير الهادئ السعيد، وكأن هذه الغابة تجذبه منها إليها، وما نهاية ذلك إلا أنه سأل نفسه لماذا أنسى دائمًا لون عينيك؟

.jpg)
.jpg)
Comments
Post a Comment